ابن كثير

323

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فقال : امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه ؟ قال من هذا يا محمد ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « هذا ابن أبي قحافة « قال : أما واللّه لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ، ولكن هذه بها . ثم تناول لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه واقف على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحديد ، قال : فقرع يده ثم قال أمسك يدك عن لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل واللّه أن لا تصل إليك قال ويحك ما أفظك وأغلظك ! فتبسم رسول اللّه قال : من هذا يا محمد ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة » قال : أغدر ، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟ قال : فكلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه ، وأخبره بأنه لم يأت يريد حربا . قال فقام من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ، فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما ، واللّه ما رأيت ملكا قط مثل محمد صلى اللّه عليه وسلم في أصحابه ، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم . قال : وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة ، وحمله على جمل له يقال له الثعلب ، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش ، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا عمر رضي اللّه عنه ليبعثه إلى مكة فقال : يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني . وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني بها عثمان بن عفان رضي اللّه عنه . قال : فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبعثه يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته ، فخرج عثمان رضي اللّه عنه حتى أتى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص ، فنزل عن دابته وحمله بين يديه أردفه خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فانطلق عثمان رضي اللّه عنه حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ، فبلغهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أرسله به ، فقالوا لعثمان رضي اللّه عنه : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به ، فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : واحتبسته قريش عندها قال : وبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عثمان رضي اللّه عنه قد قتل . قال محمد : فحدثني الزهري أن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا : ائت محمدا فصالحه ولا تلن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فو اللّه لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا ، فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل » . فلما انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح . فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فأتى أبا بكر